الشيخ محمد النهاوندي

585

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ كأنّه قيل : كيف كان شأنهم وحالهم مع الأنبياء ؟ فأجاب سبحانه : بأنّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وجحدوا المعجزات التي أظهروها ، وأعرضوا عن البراهين العقليّة التي أقاموها ، فنسبوا المعجزات الباهرات إلى السّحر ، والبراهين السّاطعات إلى أساطير الأوّلين وتلفيقات المجانين فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ وعذّبهم بِذُنُوبِهِمْ الموبقة في الدّنيا بأنواع العذاب ؛ من الغرق والخسف والصّيحة وغيرها وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ وذكر اسم الجلالة وتكراره لإظهار الرّوعة وتربية المهابة . ثمّ أكّد سبحانه تهديد الكفّار والمردة - لازدياد الرّعب في قلوبهم - بتوعيدهم بعذاب الدّنيا ؛ من القتل والتشريد ، مع عذاب الآخرة ، بقوله : قُلْ يا محمّد لِلَّذِينَ كَفَرُوا باللّه ، وبما انزل إليك ؛ من اليهود والنّصارى وعبدة الأوثان : إنّكم أيّها الطّغاة سَتُغْلَبُونَ عن قريب ، وتقهرون بأيدي المسلمين وسيوفهم في الدّنيا وَتُحْشَرُونَ من قبوركم ، وتساقون في الآخرة إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ والفراش ، وساء المقرّ الذي هيّأتموه لأنفسكم من النّار . روي أنّها نزلت قبل وقعة بدر ، فإنّه صلّى اللّه عليه وآله قال لمشركي قريش يوم بدر : « إنّ اللّه غالبكم وحاشركم إلى جهنّم ، وبئس المهاد » « 1 » . وعن ابن عبّاس : أنّ يهود المدينة لمّا شاهدوا وقعة بدر ، قالوا : واللّه هذا هو النبيّ الأمّيّ الذي بشّرنا به موسى في التوراة ، ونعته بأنّه لا تردّ له راية ، وهمّوا باتّباعه ، فقال بعضهم : لا تعجلوا حتّى ننظر إلى وقعة أخرى له . فلمّا كان يوم أحد شكّوا - وقد كان بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عهد إلى مدّة فنقضوه - وانطلق كعب بن أشرف في ستّين راكبا إلى أهل مكّة ، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فنزلت [ الآية ] « 2 » . وروي عن بعض العامّة ، ونسب أيضا إلى روايات أصحابنا : أنّه لمّا أصاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قريشا ببدر ، وقدم المدينة ، جمع اليهود في سوق بني قينقاع ، فقال : « يا معشر اليهود ، أحذروا من اللّه بمثل ما نزل بقريش يوم بدر ، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم ، وقد عرفتم أنّي نبيّ مرسل » فقالوا : يا محمّد لا يغرّنّك أنّك لقيت قوما أغمارا « 3 » لا علم لهم بالحرب ، فأصبت منهم فرصة ، أما واللّه لو قاتلتنا لعرفت أنّا نحن النّاس ، فنزلت [ الآية ] « 4 » .

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 11 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 2 : 11 . ( 3 ) . الأغمار : جمع غمر ، وهو من لم يجرّب الأمور ، ولا علم له بها . ( 4 ) . مجمع البيان 2 : 706 .